محمد باقر الملكي الميانجي

59

مناهج البيان في تفسير القرآن

للتقديس والتنزيه عن الافتقار والاحتياج ، والرغبة في الجزاء والتوقّع في العطاء . والحليم أي ذو أناة لا يعجل بالانتقام على من عصاه في مقام التهديد ، ويعفو ويصفح عن ذنوب الجاهلين ، فعلى الأوّل هو من أسمائه الجلاليّة ، وعلى الثاني من أسمائه الجماليّة . قوله تعالى : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ » . المنّ والأذى لا إشكال في حرمتهما عقلا إذا وقعا هتكا واستخفافا للمؤمن المنفق عليه ، أمّا إذا لم يبلغ المنّ مرتبة الإهانة فالّذي يستفاد من روايات الباب والآيات الكريمة هو شدّة الكراهة ، واستفادة التحريم من الآيات والروايات في غاية الإشكال ، فمع قطع النظر عن هذا المنّ والأذى سواء كانا محرّمين أو مكروهين لا يستلزمان بطلان الصدقات ، إذ ليست حقيقة الصدقة بعينها حقيقة المنّ والأذى المكروهين أو المحرّمين ، سواء كانا مقارنين بعمل الصدقة أو متأخرين عنه ، فالصحّة الفقهيّة للصّدقة لا تنافي المنّ والأذى كما لا يخفى . وهذا بالنسبة إلى المنّ والأذى الواقعين بعد الصدقة أوضح . ولا يخفى على الفقيه البصير أنّ الروايات في ذمّ المنّ والمنّان ليس لحنها ومفادها الجزئيّة أو الشرطيّة ، أعني أنّ عدم المنّ مقارنا أو متأخّرا عن الصدقة ليس شرطا أو جزءا لها ، بل غاية ما في هذه الروايات أنّ المنّ صفة رذيلة ، والمنّان شخص رذل ساقط في عداد النّمام والعتل والزنيم . والحبط الواقع في بعض العبارات والأخبار حبط للثواب . والمنّ بعد الصدقة ليس من دأب الأحرار النجباء ، والأخيار الأتقياء . ويشهد على ذلك تشبيه عمل المانّ والمؤذي في إنفاقه بالّذي ينفق ماله رئاء الناس ، من دون أن يقصد بعمله وجه اللّه الكريم ، والّذي لا يؤمن باللّه واليوم الآخر ، فإنّه لا شكّ في عدم الثواب لعمل المنافق المرائي الّذي لا يؤمن باللّه واليوم الآخر . في الكافي 4 / 22 ، عن محمد بن يحيى مسندا عن إسحاق بن عمّار ، عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله :